هشام جعيط

90

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

فوضوية وبدون تخطيط مسبق نواة مدينة ثابتة ومبنية ، بيوتها من قصب ، وهي متميزة عن المعسكر العادي لكنها لا تبتعد عنه كثيرا . ب ) الرغبة في البناء الصلب ، أي في إنشاء مدينة حقيقية ، ظهرت بقوة وكانت سببا في كافة العمليات التي تؤدي إلى تحقيق هذا المشروع ، مشروع ( التخطيط ) بالذات . ولم يتم البناء على الأرجح إذن ، انطلاقا من مجال وقع توزيعه وتقسيمه وتم فصله إلى أجزائه المتنوعة ، بل إن البناء هو الذي يكون فرض تحديد هذا المجال . ولا شك أن سيفا يعرض علينا في هذا المقام مثلا تمصيريا إراديا ، عقلانيا ، سريعا بصورة عجيبة ، مبتعدا عن التصور الذي اعتمده ماسينيون والذي مفاده أن المدينة نشأت نشوء بطيئا ، وهو تصوّر لا يتفق كذلك والأخبار التي رواها البلاذري فيما يخص وجود تخطيط تلاه البناء في مرحلة لاحقة . الواقع أن علم الآثار يقدم لنا يد المساعدة في هذا المجال ، شواهده تؤكد على وجود قصر شيد تشييدا صلبا في الفترة الأولى « 1 » . فمن بنى هذا القصر ؟ هل بناه سعد أو المغيرة ؟ هل بني بعد ولايتهما ؟ . « 2 » لا يمكننا الفصل في هذا الأمر . لكن ذلك دليل على وجود مركز أثري قبل العصر الأموي . ويتبين من قراءة المصادر الكتابية وجود عدة أصناف من مواد البناء في اللحظة التاريخية الواحدة . فقد ظهرت في آن واحد وتعايشت في فترة متأخرة جدا من العصر الأموي ، خصاص القصب ، ومساكن من لبن ، وبناءات من آجر « 3 » ، لأن مرحلة معينة لا تمحو المرحلة التي سبقتها . ما من شك في أن التردد ساد في بداية الأمر ، كما أن الاستقرار استتب بصفة فوضوية . على أنّ هذه المرحلة لم تكن لتدوم طويلا ومن المؤكد على كلّ حال أنها لم تدم خمس سنوات ( تلك التي ارتآها ماسينيون ) . ظهرت في الأوّل الخصاص عفويا على وجه أرض

--> ( 1 ) مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 73 : يحدد المؤلف المستوى الأول من الحفريات بدار الامارة التي بناها سعد أو بمبنى قبل إسلامي . ( 2 ) بني المستوى الأول السابق للعصر الأموي بالآجر ، ولا أثر للزخرفة فيه : محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 61 . وبذلك يؤيد علم الآثار أقوال سيف الذي روى أن روزبه بنى دارا لسعد هي « قصر الكوفة اليوم » ، مستخدما آجر القصور الساسانية في الحيرة : الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 3 ) لو تبعنا حرفيا نص سيف بن عمر حيث التخطيط مرهون بالبناء باللّبن ، لقلنا أنّ أغلب مساكن الكوفة كانت من لبن إبان التخطيط ، وليس من شكّ في أن دور الأشراف كانت كذلك زمن زياد : على أن ابن سعد ، طبقات ، ج 6 ، ص 238 ، يؤكد « أن عامة الكوفة يومئذ لخصائص » يعني زمن علي بن أبي طالب . ورد في تاريخ الطبري وفي خصوص ثورة ابن المهلب بالبصرة ، ج 6 ، ص 594 ، إن دار الحسن البصري كانت من « خصّ القصب » . وهذا يثير تساؤلات محيرة .